22‏/02‏/2008

عمي مساءً أيتها الأم الحزينة

لا بد أن الشتاء كان قاسياً هذا العام . هذا ما تقوله التقاويم وهذه الريح الرعناء . ه
وأنا يا أماه وحيد تحت الدجنة , ضوئي اسمك وطريقك دمي . لكن الليلة شديدة الحلكة في هذا الغسق المداهم . إنه ينهمر فوقي يا أمي كما انهمرت على عينيك الغشاوة . فعميت . ه

كلانا ضائع ومضيَّع فلا يعرف الطريق إلى البيت , وكلانا يتلمس الحجارة , العلامات تحت ضوء النجوم الذهبية البعيدة . ه
غير أن المنازل نائية يا أماه في هذا الغسق , أنأى من هذه النجوم المومضة فوق تلال بيتك القديم المهدم , وأنأى من ذلك النجيع المتدفق من أعناق الطيور المقتولة للتو . ه

وأنا أذكر اسمك مع النجوم والطيور التي تنتحب دماً , أرسم بندقية محطمة على جذع شجرة في جبال الأوراس , ثم أرسم غزالاً واثباً في الريح سيقع في حفرة زرعت بالأسنة داخل غابة . ه

لو قلت أنني أحبك ومشتاق إليك وكفى , فسيكون القول مبتذلاً وإنشائياً , لكنني أخبرك بأن دمي استبيح من أجلك , وأن رائحة ثديك ما تزال في فمي , فأنا أتحدث بلغة يسينين عندما خاطب أمه : " أنت يا أماه ما زلت على قيد الحياة وأنا لم أزل حياً , وإذ تنحدر أضواء المساء المتألقة وتنساب على بيتك المتواضع , أرسل إليك تحياتي . ه

كتبوا لي أنك قلقة وتتعذبين شوقاً إلى ولدك . سآتي يا أماه عندما تنفجر البراعم في الحدائق , وعندما تتفتح أزهار البساتين , لكن أرجوك ألا توقظيني عند الفجر كما كنت تفعلين قبل أعوام مضت . لقد تذوقت الملذات المحرمة قبل الأوان وأنا عاجز أن أفقد عنفواني , لا تحاولي أن تجعليني مزيفاً . إنك وحدك جميع قوتي وبهجتي . أيتها المتألقة وحدك أنت ضوئي " . ه

لكن العام بارد والأزهار لم تتفتح في حدائقنا . لقد انهمر الصقيع بقسوة وغطى المرتفعات وسطوح المنازل والأبواب , كل الأبواب أوصدت , وها هي الطيور البيضاء تتهاوى فوق الثلج قرب جحور الذئاب الجائعة . ه
عمي مساءً يا أمي العمياء , الحزينة . لم نَمُتْ بعد رغم قسوة السنوات العجاف . لم نمت بعد رغم الريح الصرصر والشقاءات الأكثر إرهافاً من المِدى وهي تحتز الشرايين . ه

أقوياء نحن كالجذر ضارباً بعمق في التراب الصلد , وممدود الأعناق كطيور البجع وهي تتحدى عواصف الفضاء . ه
لكننا متوحدون أيتها الأم مثلك , والطلقة قاب قوسين أو أدنى من بوابة القلب . ه
عمي مساءً أيتها الأم البعيدة . كيف حال البلد الصغير والأشجار وطيورك الداجنة والأصدقاء وحقول البحر وصرخة الأطفال المجلجلة بالفزع ! ه

عمي مساءً أيتها الطلقة التي لستِ في متناول اليد في هذا الشتاء البارد . ه
حيدر حيدر

هناك 8 تعليقات:

watan يقول...

لو قلت أنني أحبك ومشتاق إليك وكفى , فسيكون القول مبتذلاً وإنشائياً , لكنني أخبرك بأن دمي استبيح من أجلك , وأن رائحة ثديك ما تزال في فمي , فأنا أتحدث بلغة يسينين عندما خاطب أمه : " أنت يا أماه ما زلت على قيد الحياة وأنا لم أزل حياً , وإذ تنحدر أضواء المساء المتألقة وتنساب على بيتك المتواضع , أرسل إليك تحياتي . ه

كتبوا لي أنك قلقة وتتعذبين شوقاً إلى ولدك . سآتي يا أماه عندما تنفجر البراعم في الحدائق , وعندما تتفتح أزهار البساتين , لكن أرجوك ألا توقظيني عند الفجر كما كنت تفعلين قبل أعوام مضت . لقد تذوقت الملذات المحرمة قبل الأوان وأنا عاجز أن أفقد عنفواني , لا تحاولي أن تجعليني مزيفاً . إنك وحدك جميع قوتي وبهجتي . أيتها المتألقة وحدك أنت ضوئي " . ه



اختيار رائع ... ومؤلم بالقدر نفسه

محمد العيسة يقول...

العزيزة وطن

لو لم يكن النص رائعاً لما كلفت نفسي عناء وضعه هنا
ولو لم يكن مؤلماً لما استحق الإعجاب الذي أذهلك وغيركِ
هو كاتبي التقدمي العظيم حيدر حيدر

سررت بتواجدك هنا
الحلونجي

لاجئ الى متى يقول...

شفتاي امتداد لجرح بها كلما صاح صحت
فأمي هي النخلة الحالمة
وأمي هي الأنهر الحالمة
وأمي التي علمتني على الصبر
آنئذ علمتني على الطلقة الحاسمة

..

عمي مساءً أيتها الطلقة

أشتاقك يا امي

أنا مش أنا يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبكراته

حلونجييييييي
يسعدك ما أحلى الاغنية، ذكرتني بايام زمانن، أيام كنت أسمعها انا وهالواحد، اخ على ايام زمان:D

هياني عم بزورك بدون اي علاقة لوعدك:)

بس تنساش وعد الحر دين! وانت وعدت يا حر

(فرضا انه انت حر، خليها حرية افتراضية بس اكيد موجودة)


ويلا الى لقاء اخر

سلام

محمد العيسة يقول...

بما إني وعدت أنا ملتزم بوعدي وجداً أيضاً

بس أنا برضو ما بدي أزعل صاحب الكتاب ... فيا ريت إيميلك ...واذا انت معني بالموضوع كثير وما بدك تعطيني ايملك اعمل أي إيميل وحطو هون ... وأنا حأضيفك ... ومش حطول عليك بما إنو إيميلي دايماً مفتوح
أوك
وهاد وعد كمان

أنا مش أنا يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
محمد العيسة يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
محمد العيسة يقول...

لاجئ إلى متى .. كان الأجدر أن يكون ردك في مكان تدوينتي

رحمها الله