03‏/09‏/2010

أزمة الأبواب العربية


شهدت الساحة الأدبية في العقود الثلاثة الأخيرة تطوراً مذهلاً على صعيد الرواية العربية ، وربما يعزا السبب في ذلك إلى الأحداث المتسارعة التي عصفت بالعالم العربي ، بدايةً من الاجتياح الصهيوني الوحشي لعاصمة عربية عام 1982 م، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 وصولاً إلى حصار غزة عام 2006م ، إضافةً إلى تأثر الكتاب والروائيين العرب بالأدب العالمي ومحاكاته ، الأمر الذي أسفر عنه استحقاق الأدب العربي وبجدارة دق أبواب العالمية ، فها هو نجيب محفوظ يتقلد جائزة نوبل للآداب عام 1988 ، وهي جائزة لم تمنح له إلا لاستحقاقه وجدارته في الحصول عليها .
ما أنا بصدد الحديث عنه هنا هو تشابه ثلاثة أعمال عربية في العقدين الأخيرين ، من حيث أسمائها وموضوعاتها ، الرواية الأولى للفلسطينية سحر خليفة بعنوان (باب الساحة ) ، والثانية للبناني إلياس خوري بعنوان ( باب الشمس ) ، والعمل الأخير هو المسلسل الرمضاني ذائع الصيت (باب الحارة ) .
فلنقرع هذه الأبواب ولنبدأ بـ
باب الساحة
نشرت الروائية سحر خليفة روايتها باب الساحة عام 1990 وأعادت طباعتها للمرة الثانية عام 1999م . في هذه الرواية المتوسطة الحجم ، أطلقت الروائية العنان لمخيلتها فخلقت مجموعة من النساء تتظافر العوامل فتجمعهن في بيت واحد ، وعلى اختلاف أولئك النسوة وتمايز كل واحدة في تفكيرها ومستواها الثقافي إلا أنهن ينجحن في إزالة سياج شائك مترس بالإسمنت بطريقة ذكية طالعتنا عليها الروائية .
تدور أحداث الرواية في منطقة ( باب الساحة ) في نابلس إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى وتتعرض بكل جرأة لما أصاب المجتمع الفلسطيني من عدم الثقة بالآخر إلى أن وصل الأمر حد إعدام إحدى نساء باب الساحة للاشتباه بتعاملها مع العدو وجفاء جميع سكان الساحة لابنتها " نزهة " ليس لشيء بل لاعتقادهم بالمثل :" طب الجرة على ثمها بتطلع البنت لإمها " ولا تتوانى نزهة في هذه الرواية عن إكالة الشتائم لفلسطين إلى حد أني خفت على كاتبتها من أشباه النقاد فيصبح مصيرها عند البعض مشبوهاً فتغدو كوليمة حيدر حيدر !!
تطالعنا الكاتبة في صفحة 211عمّا قد يقوله إنسان ما في لحظة ضعف وتخلي الجميع عنه ما جاء على لسان الشخصية الأكثر حضوراً وغموضاً في الرواية " نزهة " المشبوهة من قبل الجميع ...:
- اهدي يا نزهة مشان الله.
- - بلا الله ومحمد وعيسى وموسى والصليب الأحمر واليو إن . لا حدا شايف ولا حدا سامع ، من إيمتى العالم بيتذكر إنا أوادم ؟
- وهذا اللي متربع وقاعد فوق ، مش شايفتيه ؟ ناديه وحاكيه وقولي له ليش يا خواجة ما بتتذكر إلا الأنذال : إيش عملنا ؟ ليش بتطلع علينا بالورب ؟ عينه مفتوحة على البواريد وإحنا غلابا وما إلنا حد .
الحقيقة إن سحر خليفة في روايتها قد نجحت في رسم معالم المجتمع الفلسطيني إبان الانتفاضة الأولى متمثلاً بالضعف الإنساني ، والخوف من كلام الناس ، وسطوة الأب ، والذكورية المفرطة لهذا المجتمع .
فلنغلق هذا الباب وننتقل إلى الباب الآخر .

باب الشمس
كثيراً ما تحدثت للأصدقاء عن هذه الرواية ناصحاً إياهم قراءتها واقتنائها ، ليس لانبهاري باللغة الرائعة للرواية بل لطريقتها السردية التي أبدعها الأديب إلياس خوري فغدت ملحمة الشعب الفلسطيني كما عدها الكثير من النقاد .
صدرت رواية باب الشمس عام 1998 عن نفس دار الآداب التي طبعت لسحر خليفة روايتها بل وتقاسما إبداع الفنانة نجاح طاهر على كلا الغلافين .
إن ما سأتحدث عنه هنا هو التجربة السينمائية لهذه الرواية عام 2004 .
حيث قمت بتحميل الفيلم عن الإنترنت ضارباً بعرض الحائط كل حقوق النشر ، كونها الطريقة الوحيدة لمشاهدة الفيلم في فلسطين . ولشغفي بمشاهدة رواية قد فرغت من قراءتها للتو وقد تحولت كل شخصياتها الافتراضية إلى أناس من لحم ودم .
والحقيقة وعلى جمال الفيلم وبراعة مخرجه إلا أن القصور كان حليفاً للفيلم ، ابتداءً بموقف برتقال فلسطين ص29 من الرواية :
" قطعت حبّة برتقال من الغصن كي أذوق طعم برتقال فلسطين ، فصرخت أم حسن لا ، " هذه ليست للأكل، هذه فلسطين فخجلت من نفسي ، وعلقت الغصن على الحائط في صالون بيتي ، وحين جئت لزيارتي ورأيت الغصن المتعفِّن صرخت ما هذه الرائحة ، أخبرتك القصة ، ورأيتك تنفجر غاضباً .
" كان يجب أن تأكل البرتقال " قلت لي .
" لكن أم حسن منعتني ، وقالت إنه من الوطن " .
" أم حسن خرفانة " ، جاوبتني ، كان يجب أن تأكل البرتقال . فالوطن يجب أن نأكله لا أن نتركه يأكلنا . يجب أن نأكل برتقال فلسطين ونأكل فلسطين والجليل ".
والذي شاهد الفيلم امتعض لهذا التحوير في الرواية ، فالممثل الذي أدى دور يونس إحدى الشخصيات الرئيسة في الفيلم لم يصرخ في هذا المشهد ، فلماذا ؟ وغصن البرتقال لم يكن متعفناً ؟ !!
أكره أن أوصف بالسذاجة لهذا النقد الموجه ضد الفيلم وليس ضد الرواية ولكن الحقيقة يجب أن تقال بأن الملحمة في الرواية بدأت من هذا المقطع ولم تنته .
ينتهي نقدي للفيلم عند الممثلة التي أدت دور " نهيلة " زوجة الشخصية التي تدور حولها وقائع الرواية فلم تكن مقنعة لكل من قرأ الرواية لا سيما لهجتها المتسرعة والغريبة .
والحق يجب أن يقال بأن هذه الرواية بطلها هو النص كاملاً ، متمثلاً بالشعب الفلسطيني ، وهذا ما يميزها بين الروايات العربية والعالمية .
نغلق باب الشمس وننتقل للباب الآخر

باب الحارة!!

طالعنا المخرج بسام الملا عام 2006 بالمسلسل السوري باب الحارة في رمضان ذلك العام للكاتبين مروان قاووق وكمال مرة الذي استمر بنجاح حتى وصل إلى خمسة أجزاء ، يعرض آخرها في رمضان هذا العام ، ولا يختلف اثنان على النجاح الكبير الذي لقيه هذا المسلسل وصداه العارم الذي اجتاح عواصم الوطن العربي قاطبة ، فلم نستغرب عندما سمعنا نداءات مسحراتي حي النصر في مدينة غزة قائلاً: "العقيد "أبو شهاب" مات وخلف ورأه رجال، و"أبو دراع" متورط في الجريمة هادي حقيقة مش بالفنجال، و"معتز" القبضاي راح ياخد بثأر خالو لا محال"!.
على كثرة الأخطاء والمغالطات التاريخية التي حفل بها المسلسل من الناحية التاريخية والجدول الزمني كما عبر كثير من النقاد إلا أننا لا نستطيع أن نصف هذا المسلسل سوى بكلمة واحدة فحسب "جميل " .
في حين أن فيلم باب الشمس آنف الذكر لم يحقق من الأرباح سوى مئة وعشرون ألف جنيه مصري فقط !!
فأين الخلل يا ترى !!
إن وقوع الحافر على الحافر، كما تقول العرب، أمر مألوف في الشعر كما في النثر، وفي الأفكار كما في العناوين إلا أن هناك تناصاً واضحاً بين رواية باب الساحة ومسلسل باب الحارة ، فكلاهما يتحدث عن الدفاع عن باب ساحته أو حارته !!
فمن تأثر بمن !!
سؤال أحيله للقراء ومشاهدي باب الحارة .
وكلنا أمل أن نرى قريباً فيلم يحمل اسم باب الساحة . ونأمل أن يكون العمل السينمائي على قدر جمال الحجم الروائي وأن تتخطى الكاتبة المنعطفات التي وقع بها مخرج فيلم باب الشمس .

أخيراً أختم مقالي هذا بقصيدة للشاعر العراقي عدنان الصائغ بعنوان " باب "

[أراهم ..
يدفعونني و يدخلون
يدفعونني و يخرجون
وأنا اصطفق بأضلاعي
وراءهم
لا أحد يلتفت
ليرى
كم هي مضنية
و صفيقة ،
مهنة الباب]