25‏/02‏/2008

محاكمة

أن تحيا يعني أن تقاتل في ذاتك شبح القوى المظلمة . أن تكتب يعني أن تدين ذاتك في جلسة محاكمة
ابسن

22‏/02‏/2008

عمي مساءً أيتها الأم الحزينة

لا بد أن الشتاء كان قاسياً هذا العام . هذا ما تقوله التقاويم وهذه الريح الرعناء . ه
وأنا يا أماه وحيد تحت الدجنة , ضوئي اسمك وطريقك دمي . لكن الليلة شديدة الحلكة في هذا الغسق المداهم . إنه ينهمر فوقي يا أمي كما انهمرت على عينيك الغشاوة . فعميت . ه

كلانا ضائع ومضيَّع فلا يعرف الطريق إلى البيت , وكلانا يتلمس الحجارة , العلامات تحت ضوء النجوم الذهبية البعيدة . ه
غير أن المنازل نائية يا أماه في هذا الغسق , أنأى من هذه النجوم المومضة فوق تلال بيتك القديم المهدم , وأنأى من ذلك النجيع المتدفق من أعناق الطيور المقتولة للتو . ه

وأنا أذكر اسمك مع النجوم والطيور التي تنتحب دماً , أرسم بندقية محطمة على جذع شجرة في جبال الأوراس , ثم أرسم غزالاً واثباً في الريح سيقع في حفرة زرعت بالأسنة داخل غابة . ه

لو قلت أنني أحبك ومشتاق إليك وكفى , فسيكون القول مبتذلاً وإنشائياً , لكنني أخبرك بأن دمي استبيح من أجلك , وأن رائحة ثديك ما تزال في فمي , فأنا أتحدث بلغة يسينين عندما خاطب أمه : " أنت يا أماه ما زلت على قيد الحياة وأنا لم أزل حياً , وإذ تنحدر أضواء المساء المتألقة وتنساب على بيتك المتواضع , أرسل إليك تحياتي . ه

كتبوا لي أنك قلقة وتتعذبين شوقاً إلى ولدك . سآتي يا أماه عندما تنفجر البراعم في الحدائق , وعندما تتفتح أزهار البساتين , لكن أرجوك ألا توقظيني عند الفجر كما كنت تفعلين قبل أعوام مضت . لقد تذوقت الملذات المحرمة قبل الأوان وأنا عاجز أن أفقد عنفواني , لا تحاولي أن تجعليني مزيفاً . إنك وحدك جميع قوتي وبهجتي . أيتها المتألقة وحدك أنت ضوئي " . ه

لكن العام بارد والأزهار لم تتفتح في حدائقنا . لقد انهمر الصقيع بقسوة وغطى المرتفعات وسطوح المنازل والأبواب , كل الأبواب أوصدت , وها هي الطيور البيضاء تتهاوى فوق الثلج قرب جحور الذئاب الجائعة . ه
عمي مساءً يا أمي العمياء , الحزينة . لم نَمُتْ بعد رغم قسوة السنوات العجاف . لم نمت بعد رغم الريح الصرصر والشقاءات الأكثر إرهافاً من المِدى وهي تحتز الشرايين . ه

أقوياء نحن كالجذر ضارباً بعمق في التراب الصلد , وممدود الأعناق كطيور البجع وهي تتحدى عواصف الفضاء . ه
لكننا متوحدون أيتها الأم مثلك , والطلقة قاب قوسين أو أدنى من بوابة القلب . ه
عمي مساءً أيتها الأم البعيدة . كيف حال البلد الصغير والأشجار وطيورك الداجنة والأصدقاء وحقول البحر وصرخة الأطفال المجلجلة بالفزع ! ه

عمي مساءً أيتها الطلقة التي لستِ في متناول اليد في هذا الشتاء البارد . ه
حيدر حيدر