02‏/03‏/2015

ذاكرة جشعة


كان ليغدو يوماً عادياً آخر ،  لولا ما آلت إليه الأمور وتسارع الأحداث على غير ما كان متوقعا له  .

كنت قد التقيتها في مشتل الحدائق مكان وجودي الدائم  ، حيث رائحة الأزهار والرطوبة تطغى على كل شيء ،  كثيراً ما حلمت بأني اختنق من رائحة هذا المكان الذي يغص بجميع أنواع الأزهار ومتطلباتها من أتربة وأسمدة ،  حتى بتُ محاصراً بجدار ما ، يصعب على أحلامي تجاوزه ، غريب أن تشعر بعدوٍ من الأزهار ، تحس أن الأزهار تتكلم معك ، كثيراً ما تخيلتها تخبرني أنها ذاهبة إلى حيث العاشقين ، إلى حيث الحب بعيداً عن هذا السجن المقيت ، وأني سأعد أيامي حتى يتلون شعري بالأبيض وسط هذا الحصار . أكثر ما  يصيبني بالحزن  ذكرى الراحلين أصحاب  هذا المشتل الذي تعتلي واجهته الأمامية لافتة قديمة خَطَ عليها والدي ذات يوم " أزهار الربيع " ....

سألتني عن أنواع الزهور التي تصلح لشرفة بيتها ، أخبرتني بحبها الكبير للأزهار ، وفرحها عند اقتناء مجموعة جديدة ، تذكرت كعادتي نصيحة والدي بأن الكلام مع النساء الغريبات قد يقودني ذات يوم إلى الهاوية ، وأن عليَّ الحذر من حبائلهن حتى لا أجد نفسي فريسة لشهواتي .

فلتذهب نصائحك إلى الجحيم يا والدي ، هاأنا أناهز الثلاثين من العمر دون حصولي ولو على كلمة " أحبك " ، وما سيضيرك في قبرك لو افترستني جميع النساء ، أنا مستعد لكل ما بإمكانه أن يخلصني من هذا الإرث العقيم الثقيل ، أريد أن أحيا كما ينبغي لمن هو في مثل عمري ، أريد أن أزين باقة وردٍ لفتاة تخصني ولا تخص الحساب المصرفي لهذا المكان ، أريد أن ألاحق الفتيات العذارى ، والعوانس وحتى المتزوجات ، أريد لهذا الإرث الأخلاقي أن يبلا أن ينتهي أن يذهب إلى حيث مكانه الصحيح ... زمانك يا والدي الطيب .

صحوت من سرحاني على صوتها ، المرأة ذات الوجه الحزين والعينين الذابلتين ، هل تنصحني بأزهار معينةً حيث بإمكانها احتمال هذا المناخ القاسي ؟ ومن سيفعل غيري ، فأنا الخبير بالأزهار ، وبما يليق بشرفتك يا سيدتي وما يليق بلون عينيكِ إذا تطلب الأمر ، فأخذت هي بالضحك  بينما ذكورتي أخذت تحرضني على الانقضاض وعدم السماح لهذه الطريدة السهلة من الافلات من شِباكي .

  ما لَبِثَت أن صارحتني بمقتها لزوجها الذي لا يهمه سوى المال وعدم الاكتراث لمشاعر غيره ، فكانت صيداً سهلاً لذكورتي .

حدثتني كثيراً عن ذلك الزوج الذي يفني ساعات نهاره متنقلاً بين تجارته الزاهرة ، وأخبرتني عن رحلاته التي لا تنتهي نحو الشمال بحثاً عن النساء الغريبات ، وأنها باتت تتقزز منه ، وأن كل ما يعنيها الآن ما يمنحها من أوراق نقدية . فأحسست أن هذا الصيد الثمين هو حظ المبتدئين فانتشيت لهذا التحليل الغريب الذي راودني .

انفردنا بعد ذلك كثيراً في كوخ جبلي بعيد عن مركز المدينة وعيون الناس ، بالغنا بصنع اللذة والاستمتاع بجسدينا بكل ما عرف الشيطان سبلاً لذلك . هذه هي إذن اللذة المنتظرة ، أكثر ما كان يؤرقني في منفاي الاختياري " مشتل الأزهار " ، دائماً ما تساءلت كيف ستكون متعة الالتقاء بجسد الأنثى ، وكثيراً ما رأيتني امسد شعرها كما كنت أتخيلني أفعل في سرحاني الدائم ، طالما راودتني الأفكار بامرأة خرجت لتوها من النهر ولا منقذ لها سواي أنا فارس هذا الزمان الوحيد ، أحتضن ذلك البلل الناعم الذي يغطي جسدها الغض ، فيصعد دمي نبيذاً في الفضاء ،  ويضيء المدى الحقول .

في ذلك اليوم شديد المطر والبرودة هاتفتني فالتقينا في ذات الكوخ الرابض على قمة جبل الريف الغربي ، حيث اشجار الصنوبر تبتلع المكان ،  احتضنتي في الداخل فبادلتها العناق ، أخبرتني أن أجمل أيامها تلك التي تمضيها بين يدي ، وأن هذا الكوخ أجمل من بيتها الكبير ، شكوتُ لها فقري وقلة حيلتي ، تحسست ساعدي وقالت من له هذا الجسد بإمكانه أن يغتصب العالم . ضحكت كثيراً وقلت لها : في خيالكِ فقط .

غفونا على صوت انهمار المطر ، وهسيس قبلاتنا ، وفي المساء اضفت كمية من الحطب لموقد النار ، فصبغت المكان برائحة صمغ الصنوبر الطازج ،  فبات للمساء رائحة تليق بلقائنا ونزقنا اللذيذ ، اختلطت الرائحة بصوت تلك المطربة التي كان صوتها يخرج مصحوباً بالصدى من المذياع العتيق .

وبدون أي مقدمات أخذ أحدهم يطرق على الباب الخشبي للكوخ  بعصبية مفرطة ،  فاهتز جسدي مع اهتزاز المكان ، جمدنا في ذهول  ، قالت : إن كان زوجي فسوف يقتلني بمجرد رؤيتي  ، فجمدت بمكاني برهة . دعوت الله إن نجاني من هذه المصيبة أن أصبح إنساناً آخر ، فقط يا الله نجني من محنتي هذه وأعاهدك بالصلاة والصيام  وكل ما تطلبه من  عبادك الصالحين . أرجوك يا الله ... أرجوك كن معي ، لا تفضحني ، لا تشمت بي الأعداء .

حالما استعدت يقظتي مما اعتراني من الجمود فإذا بي أمسك بعصاً كبيرة و مع قيامي بفتح الباب فإذ برجلٍ طويل القامة عاجلته بالاستفهام عن بغيته ، فأخبرني أن سيارتي مضاءة من الداخل ، وأن ذلك سيفقد البطارية قدرتها على تشغيل المحرك في حال فراغها ، شكرته وانتشيت فرحاً لذلك الانتصار المدوي على زوجها الغائب في ملذاته .

في اليوم التالي عزفت عن الإجابة على هاتفها وبينما كنت أنظر لصورة والدي المعلقة على الحائط تلتف حوله أزهار تخفي ألوانها الفترة القديمة التي التقطت فيها ، ضحكة أبي تستفزني ،  وأسئلة كثيرة تعنُّ في رأسي ، ترى لو كان من بالباب زوجها هل كنت سأرديه قتيلاً بتلك العصا ؟ أم هل كانت  قصتي لتصبح على ألسن الجميع ؟ تخيلت للحظة الخبر التالي يملأ الصحف والمجلات " مقتل تاجر كبير على يد زوجته الخائنة وعشيقها " .

تذكرت والدي ونصائحه بالحذر من النساء ، وأن معظم المشاكل من ورائهن ... على من تقرأ مزاميرك يا والدي الغالي ، أنا مجرد لص حقير يسطو على فضلات غيره ، ويخاف من رجل سكير تزوج امرأة لتصون عرضه ، فاجتهدت بتدنيسه بدعوى الحب . أي حب هذا الذي يكون بين طماع صغير وامرأة متزوجة من ثري حقير .

ترى لو قمت بقتله هل كانت الحفرة التي  سأدفنه بها لتضيق عن الاتساع لتلك الأفعوانة التي جعلتني قاتلاً للدفاع عن خيانتها .

صحيح أني شريكها في الرذيلة، لكن القتل كان من أجلها ، وخوفا من زوجها الذي ملأت روحي رهبةً منه ، الحفرة تتسع ، شيئاً فشيئاً ، وهائنذا أهيل التراب على كلا الجسدين  .

لبرهة أدركت أنني دفنت أحد أكثر أسراري وملذاتي  ...، وما كان قد تبقى من روحي ، وكل مخاوفي من النساء .

أمسكت بذلك الهاتف الذي أخذ يرن ثانية  بيدين واثقتين ، وأنا أعي جيداً كيف يمكن قول " " لا تعودي"  . 

22‏/02‏/2015

كيف للصورة أن تكتمل ؟!

الوحدة شيء جميل ومبهر ، لا يفهمها غيرُ مفتقدِها ، فكيف لك أن تغني للنساء في ظل حضورهن ؟!
 كيف لك أن تشتاق لأطفالك وأنت محاصرٌ بشقاوتهم والشيطنة غير المبررة ؟ ! .
:::
اليوم أنا حر من شبح الحرية ، حبيس المنزل ، وحتى الهاتف مغلق . أستمع لمارسيل خليفة " بغيبتك نزل الشتي " . منظر ذوبان الثلوج في الخارج مريب ، والشريط الإخباري لقناة  " الميادين "  يحمل كل برهةٍ خبراً ما عن تقدم للجيش العربي السوري على مرتزقة جبهة النصرة الظلامية . وصوت التلفاز غير مسموع ، وسماعات الرأس تدوي في أذني ..." بيتي مثل ورقة احترق ما عاد عندي أهل " .... مارسيل .

::::

في العام الفائت قبل 51 يوما بالتمام استقبلنا " شام " ، طفلة الفرح والحب ، مذ ذاك اليوم بات للجمال تعريف آخر ، آخ يا حبيبتي ... كيف لهذا القلب الصغير القدرة على منحك ما تستحقين من الحب ؟! .

::::

 طفلاي الجميلان، خالد وشآم 

 تستحقان وطناً حراً يليق بهذا التمرد يليق بهذا التمنع و الجمال ،
 تستحقان  فلسطين التي في القلب صورتها  ،
 فلسطين الأغاني و الأشعار ،
 فلسطين الزيتون والنوّار  .
 فلسطين القضية والبندقية .
يحرسنا الشهداء  فيها ،
وتضيء دروبنا بنادق ما احترفت غير النضال ،
 ووجهتنا فيها واحدة : مقاومة ومقاومة ومقاومة .

::::

ما زلت أحلم بنشيد وطني غير هذا النشيد .

::::
يكفي أني ما زلت قادراً على ارتكاب حماقة ال ( حلم ) .

06‏/01‏/2015

عيون طفلتي شام تلخيص مبدع لجمال العالم

ربما كنت سأستمتع هذا الصباح بإعداد القهوة أكثر من متعتي في قراءة صحيفة الأخبار اللبنانية عبر الانترنت ،  فكثيرا ما تفوقت رائحة القهوة على ما صنعت من أجله .
لكن خالد أصر أن يشرب الشوكو ، ففقدت رغبتي بإعداد القهوة .
هذا الصباح البارد من السنة الجديدة مناسب للمكوث في البيت والاستمتاع بكل التفاصيل الصغيرة ... خالد ومشاكساته ، شام وبكاؤها ، حتى عناء تركيب اسطوانة الغاز استعدادا للثلوج المتوقعة في الغد .

لا يختلف هذا العام عن سابقه  كثيرا حتى الآن سوى بازدياد عدد أفراد أسرتنا والرقم 4 رفيقنا إلى ما شاء الله له في قادم الأيام .. وبلا شك ما زال هذا العام مغلف بآمال منتظرة تكفينا لنحياه كما يليق بعفويتنا وحبنا وانسجامنا .

وعلينا الاعتراف بأن العام الفائت رغم قسوته حمل في أيامه الأخيرة أجمل حدث على الإطلاق ، رزقنا بطفلة أجمل من أزهار الربيع ، بل اجمل من مفردة ( جميل ) بكل ردائفها ، بشوشة كأهلنا الطيبين ، سمراء كحبي الابدي ، بعينين ذابلتين تليقان بطفولتها ، واسمها لا يليق سوى بمن كان على الجمال من صلة وثيقة . 


أخيرا استطعنا أيضاً سرقة شيء من العام الماضي ونكتفي بالإعلان عن الرقم 4 كي لا تتم ملاحقتنا من قبل عيون الحاسدين .